أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

258

التوحيد

فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي [ الحجرات : 9 ] دل أن الباغي كان معلوما ، لا أن كان ثمة اجتهاد ، مع ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أظهرهم أبى لهم الاجتهاد إلى ذلك الحد ، ثم دل الأمر بالقتال والصغيرة تكون مغفورة لا يقابل عليها ، على أن ذنوبهم قد كبرت وقد أبقى اللّه لهم اسم الإيمان ، واللّه الموفق . وقال في قوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ الحجرات : 10 ] بمثل ذلك ، وقد بينا وهمه . ثم على قوله إن صاحب الكبيرة عدو اللّه لا يسع له الدعاء بالخير ويلزم لعنه ، وما الإصلاح إلا الدعاء بالخير والصلاح ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال في آية القصاص وما فيه من تسمية الإخوة : إن اللّه لم يعد على الإخوة المطلقة ثوابا ولا مدحا ، وإنما كان ذلك في الإخوة في الدين . فيقال لهم : قد سماهم مؤمنين في أول الآية ثم أبقى لهم اسم الإخوة في آخرها ، ولا معنى سبق يحتمل حرف ذكر الإخوة إليه ، ثبت أنه في الدين مع إبقاء اسم الإيمان ، وأما الثواب فقد شرط مرة باسم المطلق ومرة باسم المقيد ، من ذلك قوله : فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا [ المائدة : 85 ] ، ثم قد يجوز عندك التحذير مع وجود القول وإن وعد عليه الثواب ، فمثله المؤمن باسم الإطلاق . وقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [ الحديد : 19 ] ، وكذلك قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [ النساء : 152 ] ، وصاحب الكبيرة يقال آمن باللّه ورسله ولم يفرق بين أحد من رسله ، ثم جائز في مثله التخويف والوعيد ، ولذلك قال اللّه : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 40 ] ، وصاحب الكبيرة قد أتى بحسنة ويستحق الذي جاء به اسم الحسنة فما تنكر أن يستحق اسم المؤمن وإن أوعد ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم عارض نفسه بالحقوق التي أوجبت باسم الإيمان وأحلّت به وقد دخل في ذلك أصحاب الكبائر . فأجاب بأن إدخالهم بالإجماع لا بالاسم ، كما أدخلتم في قوله : حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [ البقرة : 180 ] حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [ البقرة : 236 ] وإن لم يكن الفاسق كذلك . قيل له : الإجماع أدخلهم في ذلك بالفهم من الخطاب بالإيجاب والتحليل بالآيات ؛ إذ ليس أحد منهم ذكر وجها به عرفوا سواه ، ولا أحد من متعاطي الفسق سأل أحدا عن خاص بل عرف تضمنه تلك الآيات ، ولم يجز الخطاب بالوجهين باسم التقوى ؛ لذلك بطل التقدير . وقوله : " حق على كذا " أي حق على من يريد التقوى ذلك وليس فيه إيجاب ، مع ما كان في الذي يذكر تخصيص معنى التقوى في حق الخطاب فيما نحن فيه يدخله في الخطاب بلا اسم الذي به خوطب لا بالإطلاق ولا بتخصيص ، ولا قوة إلّا باللّه .